د. محمد مفضل
ما يقع في المغرب من تجاذب حول مفاهيم معينة و من صراع حول قضايا تخص التدبير السياسي للموارد الاقتصادية و الحقوق السياسية لا يترك لنا مجالا للتجاهل والصمت. قد نرى أو لا نرى ما يراه غيرنا و قد نكون على صواب أو خطأ، لكن المساهمة في النقاش تبقى قيمة في حد ذاتها.
نبدأ من حيث ينتهي كل النقاش: الفتنة نائمة و لعن من أيقظها، أو، الفتنة أشد من القتل. كلام يردده الكثير دون أن يكون المدلول واضحا في ذهن المتكلم و لا مطابقا لما يروج في ذهن المتلقي. ما تعنيه الفتنة لمن يملك السلطة و يمارس الحكم هو مختلف تماما عما تعنيه الفتنة لمن يعارض الحكم أو من يرى أن السلطة فاسدة و يجب إصلاحها. قبل الخوض في تفاصيل هذه الاختلافات، سنلقي نظرة سريعة على معاني الفتنة كما ورثناها عبر النصوص و التاريخ.
للفتنة معاني كثيرة و هي من بين الدوال التي حازت على عدد كبير من المدلولات في القرآن الكريم، نذكر منها الابتلاء و الامتحان، الشرك، اختلاف الناس بالآراء، الصد عن السبيل، اشتباه الحق بالباطل، الإضلال، القتل و الأسر، اختلاف الناس و عدم اجتماع قلوبهم و حتى الجنون. قد تطول اللائحة قليلا إذا ما أضفنا المدلولات الأخرى التي اكتسبها هذا الدال خلال تدحرجه عبر التاريخ و شهادته على فتن المسلمين و العرب. لكن ما يؤكده لنا تاريخ هذا الدال و حضوره عبر النصوص هو انه دال قادر على امتصاص و احتواء الكثير من المدلولات التي قد تختلف حسب مستعمليها و حسب السياق. كما أن المدلولات المختلفة تخضع لنظام من المعادلات و لتراتبية تعكس هيمنة على الدلالة، قد تكون سياسية، ثقافية، أو سياقية. فعندما تستعمل السلطة الحاكمة دال “الفتنة” فإن هذا الاستعمال يُخفي و يُظهر في نفس الوقت منطقا من المعادلات يتم استعماله لاختيار المدلول الذي يتماشى و الخطاب العام لهذه السلطة. و لعل المدلول المقصود يكمن في تطابق “الفتنة” مع معنى “التحدي للسلطة القائمة” و يتم ترتيب المعاني الأخرى أو استبعادها لعدم تناسبها مع منطق خطاب السلطة. لكن ما يمكن ملاحظته هو أنه رغم أن هذا المدلول الأساسي هو المهيمن و يتم التعرف عليه بسهولة من طرف المتتبع السياسي، فإنه يتم الترويج لمدلولات أخرى وذلك بهدف إما التخويف أو شيطنة الآخر أو التنفير من الحراك أو حركة الاحتجاج الاجتماعي عموما. نذكر من بين هده المدلولات: الفتنة بمعنى الفوضى، الخروج عن الدين و مخالفة الممارسات الدينية الصحيحة، اختلاف الآراء و الاستقطاب الذي قد يؤدي إلى حرب أهلية، و غيرها من المدلولات التي يتم ترويجها عن قصد وعن طريق الإعلام أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى تقوم بنفس العملية حيث تفرغ الدال من المدلولات التي منحتها له السلطة، فتصبح الفتنة بالنسبة للناشطين السياسيين بالريف مثلا هي “الحكرة” ، “التهميش” و “الفساد”، لأنها هي التي أدت إلى الانقسام و تشتت الآراء و خروج الإمام عن الدين بدعمه للاستبداد. إعادة تحديد معنى هدا الدال هي نوع من التفكيك يقوم على ضرب المدلولات الرسمية ومساءلتها و تعويضها بما يتناسب مع مطالب المحتجين و الفكر الذي يدعمها.
للإشارة فإن هذا النوع من الدوال يسمى دوالا فارغة أو عائمة [ليفي ستراوس، لاكلو] ليس لأنها فارغة من المعنى أو الدلالة بل لأنه يمكن تحميلها بالمدلولات التي تتماشى مع توجهنا الإيديولوجي و السياسي، و يختلف معناها تبعا لذلك حسب المستعمل و السياق، حيث يتم اختيار مدلول مهيمن يدخل في علاقة معادلة مع مدلولات أخرى تدعمه و تثبته. من الأكيد أن كل سلطة مهيمنة و حاكمة [المخزن أو أي نظام آخر] يلجأ إلى تثبيت مدلولات مثل هذه الدوال الفارغة حتى يمرر إيديولوجته- التي هي مجموع دلالة هذه الدوال الفارغة- على أنها هي المعنى الوحيد المحتمل و الطبيعي. حسب تعبير ديريدا، فإن السلطة الحاكمة توقف لعب الدوال بخلق مركز للدلالة الذي يتشكل من ايديولوجيتها. و ما التفكيك الذي يقوم به خطاب الاحتجاج الذي أشرنا ليه سابقا إلا زعزعة لهذا المركز الإيديولوجي الذي يُثبت المعاني خدمة لمصالحه و يوجه التأويل ليتطابق مع ايديولوجيته. إن لعب الدوال هذا هو الذي يميز المسار الديمقراطي للمجتمعات و يجب أن لا يوقفه سوى التداول و التوافق الديمقراطي، و كل فرض بالعنف لمركز للدلالة هو شطط و عرقلة لهذا المسار الديمقراطي.
المثال الثاني الذي اخترته لهذه الدوال الفارغة هو مفهوم “الوطن”. الكل يتكلم عن الوطن لكنهم لا يتكلمون عن نفس الشيء، و قد يكون المعنى مبهما يعتريه الغموض عند البعض. من الواضح جدا أن الوطن في الخطاب الرسمي لا يحيل فقط على تلك الوحدة السياسية الترابية و المعنوية بل يرتبط بدوال أخرى كالنظام و لا يمكن تخيل وطن بدون هذا الارتباط الأساسي الذي يقره الدستور وتدعمه مؤسسات الدولة سواء القمعية أو الإيديولوجية حسب تعبيرألتوسير. يعتبر هذا الربط بين الوطن كأرض و النظام كحكم تثبيتا للمعنى يرقى إلى مستوى المقدسات، و ارتبط هذا المعنى بمعاني أخرى إضافية معادلة كالوحدة و الاستقرار و متنافرة كالإنفصال و الخيانة. و أصبح لهذه الدلالة قوة سياسية حجاجية تضع الآخر في موقف محرج تصبح معه حتى عملية التفكيك صعبة خصوصا و أن المحتجين بالريف يحملون علما مخالفا للعلم الوطني و رغم ذلك هناك بعض الأصوات تدافع عن هذا العلم كإرث تاريخي و تؤكد على الوحدة. هذه الأصوات تفكك هذا الارتباط داخل مفهوم الوطن بين الوطن كأرض ومجتمع، و بين الوطن كوجود مرتبط باستمرار النظام.
إدا كان مفهوم الفتنة قد أربك الناس فإن مفهوم الوطن قد قسمهم. هذه الحرب الدائرة داخل هذه الدوال الفارغة هي جزء من صراع و حرب حقيقية بين الدولة و الفئات الاجتماعية المهمشة، تأخذ شكل الاحتجاج في الشارع و الاصطدام و الاعتقال، و بالموازاة تشتعل معارك حول المفاهيم و الدوال على مواقع التواصل الاجتماعي، فتُهدم مسلمات و تُفكك مفاهيم كانت إلى وقت قريب تقوم بدورها الإيديولوجي بكل فعالية. إن من بين نتائج هذه الحرب الدلالية هو تجاوز بعض الخطوط الحمراء و التي لن يعود لها احمرارها، و إزالة بعض الماكياج الإيديولوجي عن بعض مؤسسات الدولة، القمعية منها خصوصا، و ذلك لتعذيبها المعتقلين، إن صحت الأخبار التي أصبحنا نسمعها يوميا. كما أكدت بما لا يدع مجالا للشك عن سلبية الأحزاب التي لم تعد قادرة على التأطير و الوساطة السياسية، و أصبح بذلك النظام وجها لوجه مع الشعب. بالإضافة إلى ازدواجية المواقف السياسية لدى بعض التيارات، و إلى الإنتقائية في النضال التي تميز البعض.
رغم قوة الدولة المادية و الإيديولوجية، فإن التفكيك اللغوي لهذه القوة على مواقع التواصل الاجتماعي وسهولة نشر وفضح المتناقضات سيخلخل مركزية الدولة في إنتاج المفاهيم التي تساعد على الهيمنة و التحكم، و سيساعد على تحقيق بعض التقدم على مستوى الانتقال الديمقراطي.